عباس محمد طراف (سورية). ولد عام 1941 في قرية القبو. حصل على الشهادة الابتدائية من مدارس القبو, والثانوية من مدارس حمص , والليسانس في الأدب العربي من جامعة دمشق, ودبلوم عام التربية من جامعة دمشق. عمل مدرساً ومدير مدرسة.
دواوينه الشعرية: أغاني النسور 1970.

عنوانه: قرية القبو - حمص.
 

مسافر في موانئ الزمن

مدينتنا .. مدينتنا

أعود إليك وا أسفاه !!

من سفري الطويل كأنني ماغبت أعواماً وأحقاباً

فأبصر موطني يختال أعمدة وأنصاباً

مدينتنا الحبيبة

لا أزال إليك مشدوداً

إليك بألف سلسلة وسلسلة حديديه

أحس بروجك الطينية الحمراء ما زالت معلقة على صدري

تكاد حجارها تنداح في نحري

وبين مفاصلي تجري

مدينتنا: أعود إليك من سفري الطويل

فلا أرى شيئاً تبدل عبر آفاقي

عجيب كل شيء ههنا باق

جميع الناس منذ الخلق ما زالوا بأعماقي

أرى فيهم بقايا سيرتي الأولى

سمات وجوههم ويلاه ترسم سيرتي الأولى

كأني لا أزال هنا تطاردني خيول الروم لاهثة على أثري

تخبّ خيولهم في الرمل تعتسف الظلام تسائل الركبان عن سمري وعن خبري

أحس الموت في الكأس التي هدأت بها نفسي

فغبت بها لأعبر من جديد عالم الحس

فأولد حاملاً رأسي

وأنهض نافضاً عنى ثرى رمسي

فأركض من جديد حاملاً علمي

تطاردني خيول الروم والفرس

وفي آشور عبر دروب بابل لا تزال بروجها الحمراء تنهار

وأسوار المدينة ترتمي فتؤزها النار

وتحملني الخيانة مرة أخرى

جريحاً موثق القدمين

تحملني إلى دارالخليفة عصبة أخرى

وتقذف بي على صف من الغوغاء والأ سرى

مدينتنا

أعود إليك ثانية

أعود إليك من ألمي

لأعبر من جديد شرفة الأبد

فأبصر صخرتي الملساء تربض بين موج البحر والزبد

لتسألني وتحملني على سفن من الألم

فأبحر في غيوم الحزن والندم

أحس كأنني ما زلت مكبوباً

على الأوثان أسألها

على قدمي تعنيتا أعللها

أجر الهيكل المهدوم من ألم أقبلها

وأجثو حاسراً رأسي

حليق الشعر أزحف حافي القدمين أسألها

ودمع العين يغسلني ويغسلها

وأدعوها بكل حرارة الإيمان: أسألها بأن ترضى

فتقبل مرة أخرى ضحايانا

قرابيناً من الأطفال نذبحها

وندفعها مكممة إلى النيران ندفعها

وكهان المعابد يرفعون أكفهم فيخرّ

أولهم وآخرهم

جميعاً يطلبون رضاكِ أفواجاً

زرافات ووحدانا

تمد ذراعها الناري عرياناً ورياناً

وتبسط كفها فكأنما قبلت على مضض.. ضحايانا

ولانتْ وارفأنَّ نفارها

فكأنما غُسلتْ خطايانا

مدينتنا أعود إليك وا أسفاه .. يا أماه

فأشعرأنني ما زلت أعبرغابة الحلم

فأغرق في حنيني, أذكر الإنسان قبل بداية الأمم

وعبر عواصم الحضر

وأذكر ثم أذكر ثم أذكر كيف ضاع الشرق كل الشرق

يوم طعنت في بغداد بالأمواس والإبر

وضاع العالم العربي تحت سنابك التتر

وفي عيني شهدت سقوط كل مدائن الحضر

فلم أر أمة تكلم

ولم أر فيلقاً يهزم

بلا سبب .. بلا عذر لمعتذر

مدينتنا أحس بأننا نفنى

وأنا لا نموت هنا ولا نحيا

فنسقط خارج التاريخ

نهوي قرية قرية

ونذوي كرمة, نخلة

ونبحث في ظلام الليل عن أمل فقدناه

وضيعناه في وضح النهار فكيف نلقاه

وأحرقنا دماء رفاقنا الشجعان

ومنها صغت أوسمة لكل مهرِّج وجبان

... فيا أماه مازلنا دُمى تجري بها هوج الأعاصير

ويبقى شرقنا العربي محمولاً على كتف الدياجير

فيالك أمة حفلت بكل بواعث الألم

وتزحف دونما كف ولاقدم

تظل جيادها في الساح متعبة وخائرة

وتركض حولها الفرسان جائعة

وتعلن أنها أبداً تشمِّر نفسها للحرب

تهييء جيشها للضرب

مدينتنا : أحس بأنني ما زلت عبر رباك

لم أشرد

ولم أُلحد

كأني بالمدينة ترتمي تنهار .. فوق أصابع اللهب

ويغرقها الدخان يلفها البارود يحملها

مخضّبة جبين الشمس والسحب